الشيخ محمد رشيد رضا

9

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بأن هذا محال ولقوله تعالى ( ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) وقالت العرب : اني جائع في بطن غيري وعريان في ظهر غيري : ويدخل في هذا الأسلوب أيضا مثل قوله تعالى ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ) * أي يعطي عباده المحتاجين ، واللّه يكافئه عنهم إذ كانوا عاجزين وثم وجه آخر في تفسير ( لِنَعْلَمَ ) وهو ان المراد بالعلم في مثل هذا علم الظهور والوقوع . ذلك أن اللّه تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها أنها ستقع لا أنها واقعة ، ويعلمها بعد وقوعها أنها وقعت ، والجزاء يترتب على ما وقع بالفعل ، فقوله هنا « لِنَعْلَمَ » يراد به الثاني أي لنعلم علم وقوع ووجود يترتب عليه الثواب والعقاب ، وليس معناه أنه تجدد له علم لم يكن وانما التجدد في المعلوم لا في نفس العلم ، أي أن المعلوم لم يكن موجودا ثم وجد وظهر كله قال : وما جعلنا القبلة جهة بيت المقدس الا لنحولها ونمتحن المؤمنين بالتحويل ليظهر ما ثبت في العلم القديم من اتباع بعض الناس للرسول واستقامتهم على هدايته ، وانقلاب بعضهم على عقبيه واظهاره ما أكنه في نفسه من الريب ، وبذلك يمتاز المهتدون من الضالين ، وتقوم الحجة للمؤمنين على الكافرين . ومعنى الانقلاب على العقبين هو الانصراف عن الشئ بالرجوع إلى الوراء وهو طريق العقبين ، فالمنقلبون قد خرجوا من عداد المؤمنين وعادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر . ويقال رجع على عقبيه ونكص على عقبيه وأبلغها انقلب على عقبيه لما فيها من الاشعار بأنه رجع عن خير إلى شر أو من سوء إلى أسوأ قال الأستاذ الامام : ومن قبيل استعمال العلم في متعلقه وما يصدق عليه قوله تعالى ( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ) الآية وقوله ( وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ ) فالمراد من الكلمات هنا الموجودات كلها عبر عنها بذلك لان كل موجود منها وجد بكلمة اللّه ( كن ) ا ه أقول : والمختار عندي التعبير عن علمه تعالى بالشيء قبل وجوده بعلم الغيب وبعد وجوده بعلم الشهادة كما قلت آنفا ، وان كلمات اللّه في الآيتين الأخيرتين كلمات التكوين أنفسها لا متعلقاتها التي هي الموجودات ، فعلم اللّه قسمان : غيب وشهادة . وكلماته قسمان : تشريع وتكوين